عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

225

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ثابت في النور والمرشش الذي محله القلب ، وإنما يثبت فيه وينضم إليه لأنهما من جنس واحد وأصلهما الوحدانية . والجنسية علة الضم وفرعها أي الفرع المنشأ من أصل التوحيد ونور الوحدانية ، وشجرة الإنسانية في السماء أي سماء الروحانية تؤتى أكلها أي ثمرتها وهي الوحدة كل حين ، أي في أوانها وحينها بإذن ربها أي بلا واسطة طبيعية ، بل بأمر رباني كما نودي موسى واللّه أعلم من الشجرة ، أي شجرة التوحيد إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [ طه : 12 ] أي نعلي الدنيا والآخرة من قدم همتك إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [ طه : 12 ] أي الحضرة المقدسة المطوية فيها الدارين . كما قال تعالى : وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [ الزمر : 67 ] ومن تلك الشجرة أتى ما أتى بإذن ربها من ثمرة أنا الحق وسبحاني . فافهم جدا . وكل روح أخطأه النور المرشش في عالم الأرواح وكل إلى طبيعة ظلمة الخلقية ، يسكن في أسفل عرق شجرة الإنسانية وهو النفس الشهوانية كما سكن آدم إلى حواء . كما قال تعالى : وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [ الأعراف : 189 ] . فكذلك النفس خلقت من جنب الروح ليسكن إليها ولولا سكونه إليها لما أقام في عالم الأجسام للتجارة التي بعث بها إليه ، لكن بشرط النكاح الشرعي لا بالسفاح الطبعي ، وهو أن يكون سكونه إليها بالأمر بحيث لا يشغله عن التجارة التي له فيها النجاة من عذاب أليم ، وهو البعد عن الحضرة وله فيها الدرجات في جنات النعيم ، وهي مقامات القرب إلى الحضرة . كما قال تعالى : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 10 ) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [ الصف : 10 ، 11 ] وذلك أنه بنور الإيمان يشاهد سوء خاتمة الركون إلى الدنيا وشهواتها ، يعرض عنها ويتوجه إلى الحضرة ويقول لأهله : امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً [ طه : 10 ] فيحرم على نفسه السكون في أسفل عرق شجرة الإنسانية ، فيجاهد في سبيل اللّه بالخروج عن نفسه وماله ، ويوفي بعهده من اللّه إذ اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة في تسليم الثمن وطلب المشتري فيترك الدنيا وشهواتها . وبدل النفس والمال يتربى الفرع الموصل من الكلمة على غصن القلب إلى أن يبلغ سماوات الروحانية قيؤتى ثمرات لا مقطوعة ولا ممنوعة إلى أبد الآباد . ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ * [ الأعراف : 85 ] [ التوبة : 41 ] . أي ربح هذه التجارة خير لكم من السكون في أسفل عرق شجرة الإنسانية ، والركون إلى استيفاء الحظوظ الفانية إن كنتم تعلمون أن السكون في أسفل عرق شجرة الإنسانية هو السكون في أسفل نار جهنم خالدين فيها أبدا ، لأن كل جزء من البذر إذا بقي في عرق شجرة الإنسانية ولم يجذبه قوة النور المرشش إلى أغصان